محمد بن علي الشوكاني

2457

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

روحًا طاهرة مقدسة بسيطة مجردة عن المادة ، ثم خلق المسيح في آخر الزمان من أحشاء مريم البتول الطاهرة ، فاتحد الابن المخلوق في الأزل بإنسان المسيح فصار واحدًا . ومنهم من قال : إن مريم لم تحمل ( 1 ) بالمسيح تسعة أشهر بل مر بأحشائها كمرور الماء في الميزاب . ومنهم من قال : المسيح بشر خلق ، وأن ابتداء الابن من مريم ثم إنه اصطفي فصحبته النعمة الإلهية بالمحبة والمشيئة .

--> ( 1 ) قال ابن تيمية في « الجواب الصحيح » ( 3 / 316 - 317 ) : والمسيح - عليه السلام - لم يخلق من ماء رجل ، بل لما نفخ روح القدس في أمه حبلت به ، وقال الله كن فيكون ، ولهذا شبهه الله بآدم في قوله : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ آل عمران : 59 ] . فإن آدم - عليه السلام - خلق من تراب وماء ، فصار طينًا ، ثم يبس الطين ، ثم قال له : كن فكان ، وهو حين نفخ الروح فيه صار بشرًا تامًّا ، لم يحتج بعد ذلك إلى ما احتاج إليه أولاده بعد نفخ الروح ، فإن الجنين بعد نفخ الروح يكمل خلق جسده في بطن أمه ، فيبقى في بطنها نحو خمسة أشهر ، ثم يخرج طفلاً يرتضع ، ثم يكبر شيئًا بعد شيء . وآدم - عليه السلام - حين خلق ، خلق جسده ، قيل له كن بشرًا تامًّا بنفخ الروح فيه ، ولكن ولم يسم كلمة الله ؛ لأن جسده خلق من التراب والماء ، وبقي مدة طويلة - يقال : أربعين سنة ، فلم يكن خلق جسده إبداعيًّا في وقت واحد ، بل خلق شيئًا فشيئًا ، وخلق الحيوان من الطين معتاد في الجملة . وأما المسيح - عليه السلام - فخلق جسده خلقًا إبداعيًّا بنفس روح القدس في أمه ، قيل له : فيكون ، فكان له من الاختصاص بكون خلق بكلمة الله ما لم يكن لغيره من البشر ، ومن الأمر المعتاد في لغة العرب وغيرهم أن الاسم العام إذا كان له نوعان خصت أحد النوعيين باسم وأبقت الاسم العام مختصًّا بالنوع ، كلفظ الدابة والحيوان فإنه عام في كل ما يدب ، وكل حيوان ، ثم لما كان للآدمي اسم يخصه بقي لفظ الحيوان يختص به البهيم ، ولفظ الدابة يختص به الخيل أو هي والبغال والحمير ونحو ذلك ، وكذلك لفظ الجائز والممكن وذوي الأرحام ، وأمثال ذلك ، فلما كان لغير المسيح ما يختص به أبقي اسم الكلمة العامة مختصًّا بالمسيح .